الغزالي
50
إحياء علوم الدين
أحسسته فتعوّذ باللَّه منه واتفل على يسارك ثلاثا « قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عنى . وفي الخبر [ 1 ] « إنّ للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاستعيذوا باللَّه منه » ولا يمحو وسوسة الشيطان من القلب إلا ذكر ما سوى ما يوسوس به لأنه إذا خطر في القلب ذكر شيء ، انعدم منه ما كان فيه من قبل ، ولكن كل شيء سوى الله تعالى ، وسوى ما يتعلق به ، فيجوز أيضا أن يكون مجالا للشيطان . وذكر الله هو الذي يؤمن جانبه ، ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال . ولا يعالج الشيء إلا بضده . وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله بالاستعاذة ، والتبري عن الحول والقوة ، وهو معنى قولك أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ، ولا حول ولا قوة الا باللَّه العلي العظيم . وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون ، الغالب عليهم ذكر الله تعالى ، وأنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة . وقال الله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ من الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) * « 1 » وقال مجاهد في معنى قول الله تعالى * ( من شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ) * « 2 » قال هو منبسط على القلب ، فإذا ذكر الله تعالى خنس وانقبض ، وإذا غفل انبسط على قلبه . فالتطارد بين ذكر الله تعالى ووسوسة الشيطان ، كالتطارد بين النور والظلام ، وبين الليل والنهار . ولتضادهما قال الله تعالى * ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ الله ) * « 3 » وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ الشّيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم فإن هو ذكر الله تعالى خنس وإن نسي الله تعالى التقم قلبه » وقال ابن وضاح [ 3 ] في حديث ذكره ، إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب ، مسح الشيطان وجهه بيده ، وقال بأبي وجه من لا يفلح . وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم ابن آدم ودمه ، فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه ، ومحيطة بالقلب
--> « 1 » الأعراف : 201 « 2 » الناس : 4 « 3 » المجادلة : 19